صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
211
تفسير القرآن الكريم
وكدورتها وانصرام ما يصفو منها بحسب الوهم فهو فاسد العقل ، فكيف يعدّ من لا عقل له من العلماء ؟ ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ودوامها فهو كافر مسلوب الايمان ، فكيف يكون من لا ايمان له من العلماء ؟ ومن لا يعلم مضادة الدنيا للآخرة وإن الجمع بينهما مستحيل فهو جاهل بشريعة الأنبياء كلهم - صلوات اللّه عليهم أجمعين - بل كافر بالقرآن من أوله إلى آخره فكيف يعدّ من زمرة العلماء ؟ ومن علم هذا كلّه ثمّ يؤثر الدنيا على الآخرة فهو جاهل أسير شيطان قد أهلكته شهوته وغلبت عليه شقوته ، فكيف يعد من أحزاب العلماء من هذه درجته في الخسة ؟ فهذا دليل واضح على أن من آثر الدنيا على الآخرة فهو مغرور وقد ركّب فيه جهل الجهال وفتنة الدجّال . وكتب رجل إلى أخ له : « إنك قد أوتيت علما فلا تطفين نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم » . وقال عيسى عليه السّلام : « كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته 101 وهو مقبل على دنياه » ! وقال صالح بن كيسان البصري : « أدركت الشيوخ وهم يتعوذون باللّه من الفاجر العالم بالسنّة » . و روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إنه قال : أوحى اللّه إلى بعض الأنبياء : « قل للذين يتفقّهون لغير الدين ، ويتعلّمون لغير العمل ، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة ، ويلبسون للناس مسوك الكباش ، وقلوبهم قلوب الذئاب ، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمرّ من الصبر : إياي يخادعون ، وبي يستهزؤن ، لأفتحنّ لهم فتنة تذر الحكيم حيرانا » « 1 » . وإليه أشار قوله تعالى : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ [ 2 / 10 ] .
--> ( 1 ) قال العراقي ( ذيل احياء علوم الدين : 1 / 62 ) : « أخرجه ابن عبد البر بإسناد ضعيف » . وجاء ما يقرب من هذا الحديث في الترمذي : 4 / 604 .